يناقش الكاتب ناصر أمين الدلالات السياسية والتاريخية لافتتاح رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية الجديد المعروف باسم «الأوكتاجون» في العاصمة الإدارية الجديدة، معتبرًا أن نقل مركز إدارة الدولة إلى موقع شديد التحصين في قلب الصحراء يعكس فلسفة حكم تستعيد نماذج قديمة اعتمدت على عزل السلطة عن المجتمع، بدلًا من ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة القريبة من المواطنين.


وأوضح موقع المنصة أن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية جاء في إطار مشروع أوسع يشمل نقل الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى العاصمة الإدارية الجديدة، ويرى التقرير أن اختيار موقع بعيد ومحاط بإجراءات أمنية مشددة يحمل أبعادًا تتجاوز الاعتبارات العسكرية، ويرتبط برؤية سياسية لإدارة الدولة.


من قلعة الجبل إلى العاصمة الإدارية


يستعرض الكاتب تطور مقار الحكم في مصر عبر التاريخ، موضحًا أن الدولة الفاطمية أدارت شؤونها من قلب القاهرة، قبل أن تصبح قلعة الجبل منذ عهد صلاح الدين ثم السلطان الكامل المقر الرئيسي للسلطة، حيث وفرت التحصينات المرتفعة حماية للحكام في مواجهة الأخطار الخارجية والاضطرابات الداخلية.


واستمر هذا النموذج حتى عصر محمد علي، الذي اتخذ القلعة مقرًا للحكم وشهدت خلالها أحداثًا مفصلية، أبرزها مذبحة القلعة التي رسخت سلطته وأطلقت عصر الأسرة العلوية.


لكن الكاتب يرى أن القرن التاسع عشر حمل تحولًا مختلفًا مع صعود مفاهيم الدولة الدستورية والمؤسسات الحديثة، إذ نقل الخديو إسماعيل مقر الحكم إلى قصر عابدين في قلب القاهرة، في خطوة اعتبرها تعبيرًا عن انتقال السلطة من القلعة المعزولة إلى المدينة، بما يعكس تغيرًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع.


ويشير إلى أن الحكام الذين تعاقبوا بعد ذلك حافظوا على وجود مؤسسات الحكم داخل العاصمة، حتى خلال فترات الاضطراب السياسي، ولم يعودوا إلى نموذج الحكم من القلاع المحصنة.


العاصمة الجديدة وفلسفة الأمن


يرى التقرير أن إنشاء مقر القيادة الاستراتيجية في موقع بعيد داخل الصحراء يعكس عودة إلى فكرة الدولة التي تعتمد على التحصين والعزل، خاصة مع انتقال مؤسسات الدولة الرئيسية إلى العاصمة الإدارية الجديدة.


ويستشهد الكاتب بتصريحات السيسي خلال افتتاح المقر، والتي ربط فيها اختيار الموقع بالأحداث التي شهدتها البلاد بعد عام 2011، مثل محاصرة المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء ومدينة الإنتاج الإعلامي، معتبرًا أن هذه التصريحات تكشف الدوافع الأمنية وراء تصميم العاصمة الجديدة ومقارها السيادية.


ويضيف أن تقديم المشروع باعتباره أحد رموز «الجمهورية الجديدة» يعكس رؤية تضع اعتبارات السيطرة والأمن في مقدمة أولوياتها، إلى جانب تطوير منظومة القيادة والسيطرة العسكرية.


بين الدولة الحديثة ونموذج الحصون


يعتبر الكاتب أن بناء مراكز الحكم بعيدًا عن التجمعات السكانية يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويرى أن الدولة الحديثة تقوم على وجود مؤسساتها داخل المدن وبين المواطنين، لا خلف أسوار معزولة.


كما يربط هذا التوجه بما يصفه بالابتعاد عن المفاهيم الحديثة للحكم القائمة على المشاركة والشفافية، والعودة إلى نموذج تاريخي اعتمد على حماية السلطة عبر المسافة والتحصينات.


ويخلص التقرير إلى أن تطور وسائل الاتصال والإدارة في العصر الحديث يجعل من الصعب العودة إلى فلسفة الحكم التي سادت في العصور الوسطى، مؤكدًا أن مسار التاريخ اتجه نحو تقريب مؤسسات الدولة من المواطنين، بينما يعكس نقلها إلى مواقع مغلقة ومعزولة اتجاهًا مغايرًا لهذا التطور.

 

https://manassa.news/en/stories/32772